محمود سالم محمد
192
المدائح النبوية حتى نهاية العصر الملوكي
فهل كان المولد مكتوبا على عهد هؤلاء الصحابة ؟ وهل عرف الصحابة الاحتفال بهذه المناسبة ؟ فالظاهر من هذه الروايات التي تعظم قراءة المولد النبوي وتحث عليه ، أن واضعيها أرادوا أن يجعلوا للمولد مهابة في النفوس وقداسة ، وأرادوا دفع الناس إلى الاعتقاد ببركته ، وإلى البذل على الاحتفال به ، ووعدوهم أعلى المراتب عند اللّه تعالى فرفعوا قراءة المولد على العبادات ، ولم يتركوا عالما أو فقيها له شهرة إلا نقلوا عنه كلاما في فضائل قراءة المولد ، فنقلوا عن الحسن البصري « 1 » قوله : « وددت لو كان لي مثل جبل أحد ذهبا ، فأنفقه على قراءة مولد النبي صلّى اللّه عليه وسلّم » . وقال معروف الكرخي « 2 » : ( من هيّأ طعاما لأجل قراءة مولد النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وجمع إخوانا ، وأوقد سراجا ، ولبس جديدا وتبخّر وتعطر ، تعظيما لمولد النبي صلّى اللّه عليه وسلّم حشره اللّه يوم القيامة مع الفرقة الأولى من النبيين ، وكأنه في أعلى عليين » « 3 » . أيمكن أن يقال في هذا الكلام غير أنه مختلق ، وضع لإرساء تقاليد معينة لقراءة المولد النبوي ؟ ومثل هذا يقال عمّا نقل على لسان الإمام الرازي « 4 » : « ما من شخص قرأ مولد النبي صلّى اللّه عليه وسلّم على ملح أو برّ أو شيء آخر من المأكولات ، إلا طرحت فيه البركة . . وغفر
--> ( 1 ) الحسن البصري : الحسن بن يسار ، تابعي إمام أهل البصرة وحبر الأمة في زمنه ، عالم فقيه فصيح ناسك ، ولد في المدينة وشب في كنف علي بن أبي طالب ، عظمت هيبته في القلوب فكان يدخل على الولاة فيأمرهم وينهاهم . ابن خلكان : وفيات الأعيان 2 / 69 . ( 2 ) معروف الكرخي : معروف بن فيروز ، أحد أعلام الزهاد المتصوفين ، من موالي الإمام علي الرضا بن موسى الكاظم ، اشتهر بالصلاح وقصده الناس للتبرك به نشأ وتوفي ببغداد سنة ( 200 ه ) . ابن العماد الحنبلي : شذرات الذهب 1 / 360 . ( 3 ) مولد ابن حجر : ص 9 . ( 4 ) أبو حاتم الرازي : محمد بن إدريس بن المنذر الحنظلي ، حافظ للحديث من أقران البخاري ومسلم ، ولد في الري وتنقل في البلاد الإسلامية ، له كتاب طبقات التابعين وكتاب الزينة وتفسير القرآن العظيم ، توفي سنة ( 277 ه ) .